الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
91
تفسير روح البيان
يعنى حين حققتم المنذر به تعلمون انه لا خلف لخبرى وان عذابي لشديد وانه لا دافع عنه ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ فالنذير وكذا النكير الآتي مصدر ان بمعنى الانذار والإنكار وأصلهما نذيرى ونكيرى بياء الإضافة فحذفت اكتفاء بكسر ما قبلها قال في برهان القرآن خوفهم بالخسف أولا لكونهم على الأرض وانها أقرب إليهم من السماء ثم بالحاصب من السماء فلذلك جاء ثانيا . يقول الفقير أشارت الآية الأولى على ما ألهمت في جوف الليل إلى أن الاستتار تحت اللحاف وعدم النهوض إلى الصلاة والمناجاة وقت السحر عقوبة من اللّه تعالى على أهل الغفلة كالخسف ولذا لما قام بعض العارفين متهجدا فأخذه البرد وبكى من العرى قيل له من قبل اللّه تعالى أقمناك وأنمناهم فتبكى علينا يعنى ان اقامتك وانامة الغافلين نعمة لك ونقحة لهم فاشكر عليها ولا تجزع من العرى فان بلاء العرى أهون من بلاء لغفلة وأشارت الآية الثانية إلى نزول المطر الشديد من السماء فإنه ربما يمنع المتهجد عن القيام والاشتغال بالوضوء والطهارة فيكون غضبا في صورة الرحمة فعلى العاقل أن لا يضيع الوقت ويغتنم الفراغ قبل الشغل أيقظنا اللّه وإياكم وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اى من قبل كفار مكة من كفار الأمم السالفة كقوم نوح وعاد وأضرابهم والتفات إلى الغيبة لابراز الاعراض عنهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ اى إنكاري عليهم بانزال العذاب اى كان على غاية الهول والفظاعة وهذا مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط وانكار اللّه تعالى على عبده ان يفعل به امرا صعبا وفعلا هائلا لا يعرف وفي الآية تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلم وتهديد لقومه أَ وَلَمْ يَرَوْا اى اغفلوا ولم ينظروا إِلَى الطَّيْرِ فالرؤية بصرية لأنها تتعدى بالى واما القلبية فتعديتها بفي والطير يطلق على جنس الطائر وهو كل ذي جناح يسبح في الهولء اما لكون جمعه في الأصل كركب وراكب أو مصدره جعل اسما لجنسه فباعتبار تكثره في المعنى وصف بصافات وفي المفردات انه جمع طائر فَوْقَهُمْ يجوز أن يكون ظرفا ليروا وأن يكون حالا من الطير أي كائنات خوقهم صافَّاتٍ حال من الطير والصف أن يجعل الشيء على خط مستو كالناس والأشجار ونحو ذلك ومفعول صافات وكذا يقبضن انما هو أجنحة الطير لا أنفسها والمعنى باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا وقوادم الطير مقاديم ربشه وهي عشر في كل جناح الواحدة قادمة وَيَقْبِضْنَ ويضممنها إذا ضربن بما جنوبهن حينا فحينا للاستظهار به على التحرك وهو الشر في إيثار يقبضن الدال على تجدد القبض تارة بعد تارة على قابضات فان الطيران في الهولء كالسباحة في الماء فكما ان الأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها فكذا الأصل في الطيران صف الأجنحة وبسطها والقبض انما يكون تارة بعد تارة للاستظهار المذكور كما في السابح قال ابن الشيخ ويقبضن عطف على صافات لأنه بمعنى وقابضات والا لما عطف الفعل على الاسم ما يُمْسِكُهُنَّ في الجو وما يأخذهن عن السقوط عند الصف والقبض على خلاف مقتضى الطبع الجسماني فإنه يقتضى الهبوط إلى السفل إِلَّا الرَّحْمنُ الواسع رحمته كل شئ بأن برأهن على إشكال وخصائص وهيأهن للجرى في الهواء إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ يعلم إبداع المبدعات وتدبير العجائب والبصير هو الذي يشاهد